الصفحات

الثلاثاء، 16 أبريل 2013

الإسلام والأمة الإسلامية

سلام عليكم

إبراهيم غرايبة
الكتاب : الإسلام والأمة الإسلامية 
المؤلف :محضير محمد 
نشر : دار الفكر 
 


لا يستمد هذا الكتاب أهميته من كونه لرئيس الوزراء الماليزي فحسب، ولكنه يقدم رؤية متقدمة وجريئة لقضايا العالم الإسلامي الملحة كالعولمة والنهضة والتنمية والدور الإسلامي في العدالة والحضارة. والواقع أن محاضر يبدو في هذا الكتاب مفكرا وداعية أكثر مما هو سياسي. 


والكتاب مجموعة من المقالات التي قدمت في مناسبات مختلفة تظهر كيف يفكر هذا القائد المسلم الذي يقود بلاده منذ عام 1981، وهو طبيب تخرج من سنغافورة، وعمل في الطب قبل أن يتفرغ للعمل السياسي عام 1974، واستطاع أن يقود بلاده إلى مستوى متقدم من التنمية والتقدم حتى إنها اعتبرت واحدة من أهم 18 دولة في العالم في التجارة الخارجية، وعندما عصفت الأزمة المالية والاقتصادية بمنطقة شرق وجنوب شرق آسيا عام 1997 استطاع أن يجنب بلاده الانهيار والفشل الاقتصادي الذي وقعت فيه دول المنطقة. 

* الإسلام والعولمة 

يعتقد محاضر محمد أن العولمة صممت للهيمنة على العالم الإسلامي، ولكنها تتضمن فرصا مهمة للمسلمين تمكنهم من أن يفيدوا من العولمة ويوظفوها في النهضة والتنمية. فهو يرى أن الثقافات الاقتصادية الغربية تقوم على الحروب والتوسع، وقد شغل الأوروبيون بإنتاج وابتكار الأسلحة، وعندما أتقنوا فنون الإبحار غزوا العالم وأخضعوه لاستغلالهم ونهبهم، ولم يتخلوا حتى اليوم عن فكرة الهيمنة، وكانت العولمة من أدواتهم في تنفيذ طموحاتهم الاستعمارية وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية. 

إن حرية التجارة التي يروج لها الغرب تعني رفع وإزالة الحواجز التجارية. ولقيت هذه الفكرة قدسية بفعل اتفاقية التجارة العالمية (الجات) ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي ووسائل الإعلام الدولية. 

وقد كشفت الأيام عن الأبعاد الحقيقية المدمرة لحرية التجارة عندما عملت المؤسسات الغربية وفق برنامج معد مسبقا لتدمير الاقتصاديات الآسيوية عام 1997، ويتعرض العالم الإسلامي لغزو سافر مدعوم بالآلة الإعلامية الغربية الرهيبة، وإذا تحققت العولمة التي يروج لها الغرب فستتحول بلدان العالم الإسلامي إلى حالة هي أسوأ من جمهوريات الموز في أميركا اللاتينية التي يملك فيها مدراء الشركات الأجنبية الكبرى نفوذا سياسيا واقتصاديا يفوق نفوذ قادة الدول وحكوماتها. 

ويعتقد المؤلف أن البلدان الإسلامية جميعها ستصبح جزءا من إمبراطورية شمال الأطلسي إذا ما سارت العولمة بمفاهيمها المطروحة والتي نراها ماثلة أمامنا. ولكن يمكن أن تكون العولمة أيضا تتضمن فرصا ومزايا تفيد الأمة الإسلامية، فيمكن التقاط مصادر الموارد الجديدة المتمثلة في المعلوماتية والعمل على اكتسابها حتى لا تفوت على المسلمين فرص التقدم والقوة، كما حدث معهم من قبل مع الثورة الصناعية التي بدأت في القرن السابع عشر الميلادي، فيمكن المساهمة في شراء أو مواجهة الشركات الكبرى العملاقة التي تعرض أسهمها في البورصات. 

وإذا عمل العالم الإسلامي كتلة واحدة وليس دولا متفرقة ومختلفة، ونسقت الجهود والبرامج والمواقف فيما بين الدول والمنظمات والمؤسسات الإسلامية واستوعب العلماء المهاجرون ووظفت الطاقات المتوافرة للمسلمين، فإن المسلمين يمكن أن يشكلوا قوة اقتصادية وسياسية تفرض شروطها ومصالحها. 

ويمكن أيضا إدخال بعض التعديلات والشروط على مضامين العولمة فنبقي على بعض الحواجز والقيود للحد من تدفق السلع والمنتجات التي نرى أنها لا تناسب بيئتنا. 

وتمكن العولمة الدول الإسلامية من الاتصال بالمهاجرين المسلمين في بلاد الغرب والعمل على حمايتهم ومساعدتهم في الحفاظ على ثقافتهم وهويتهم وتحويلهم إلى مصدر لدعم قضايا المسلمين وعونا للبلاد الإسلامية في السياسات والفرص والمواقف الغربية. 

وبالطبع فإن الأمة الإسلامية مدعوة للعمل والتفكير وبذل الجهد فإن "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، وفي هذه الحالة فإنه يحق للمسلمين انتظار مشيئة الله في توفيقهم ونصرهم وتمكينهم من توظيف العولمة والظروف والفرص المحيطة في استعادة العصر الذهبي للأمة الإسلامية. 

* الشريعة والعالم المعاصر 

تقوم تشريعات الإسلام أساسا على العدل والمساواة، ولكن بعض المسلمين يقدسون الجوانب الشكلية ولا يعطون العدالة المكانة التي يجب أن تنالها، وبعضهم يخلط بين الإسلام والعدالة الإسلامية بالتقاليد والثقافات العشائرية. 

وقد بذلت ماليزيا مساع كبرى لتدوين وتطبيق الأحكام والقوانين الإسلامية مع الأخذ بالاعتبار التعددية العرقية والدينية في البلاد، وقد يكون بعض الاختلاف في العقوبات المطبقة عن الشريعة الإسلامية ولكن المبادئ العامة للقوانين لا تختلف عن المفهوم الإسلامي. 

والحكومة الماليزية لا ترفض القوانين الإسلامية، ولكن ثمة إجماع كامل على أن تطبيقها في الظروف السائدة غير ممكن. وتحتاج القوانين الإسلامية إلى صياغة مدونة وموحدة للقوانين وملاحظة الاختلاف في تفسير النصوص والأحكام الشرعية والاختلافات بين المذاهب والطوائف الإسلامية، فلا يمكن توحيد القوانين الإسلامية بسبب التعددية المذهبية. 

وتسند الشؤون الدينية في ماليزيا إلى سلاطين الولايات، فهي ليست من اختصاص الحكومة الاتحادية، وبالرغم من أن الملاويين يشكلون السواد الأعظم للمسلمين في البلاد وهم من السنة أتباع المذهب الشافعي، فقد ظهرت اختلافات وتناقضات في تطبيق الأحكام بين الولايات حتى إن بعض المواطنين يهربون من ولاية إلى أخرى لتفادي تطبيق قانون إسلامي معين. 

ومن الواضح أن هناك حاجة ملحة لجمع القوانين الإسلامية وتنسيقها وتدوينها بهدف توحيدها والوصول إلى صيغة معيارية في الجوانب الإجرائية المتصلة بتطبيقها، وتوحيد العقوبات. 

إن القوانين الإسلامية قد لا تتطابق تماما مع الفكر الليبرالي الحديث، ولكنها يمكن أن تتفق وتنسجم مع المفاهيم العالمية للعدالة. 

* التجربة الماليزية 

واجهت ماليزيا ودول منطقة شرق وجنوب شرق أسيا في صيف عام 1997 أزمة اقتصادية حادة عصفت باقتصاديات دول المنطقة. وقد تمكنت ماليزيا من عبور الأزمة بنجاح، وذلك لأنها تنتهج نظام إدارة مالية يتميز بقدر عال من التعقل والكفاءة، ودرجت ماليزيا على تسديد القروض الخارجية ولم تلجأ الحكومة طوال عمرها منذ الاستقلال إلى البنك المركزي للتمويل بالعجز. ويتميز سوق الأوراق المالية في ماليزيا بحيوية عالية تمكن الشركات الماليزية من تكوين الرساميل، ويطبق نظام الخصخصة على نطاق واسع. وفي معالجة الإدارة للأزمة طبقت الحزم المعيارية للأزمة لحفز نمو الناتج المحلي دون التخلي عن المساواة والعدالة الاجتماعية. 

إن السكان الأصليين في ماليزيا (البوميترا) يشكلون 60% من السكان ولكنهم يحتلون موقعا متأخرا في الثروة والمداخيل مقارنة بالسكان الذين ينحدرون من جنسيات أخرى، وقد بدأت الحكومة الماليزية تطبيق سياسات من قائمة على تعزيز فرص الفقراء وزيادة حصتهم في الاقتصاد والتنمية. 

وقد بيعت الشركات الحكومية للمواطنين الماليزيين وليس لشركات أجنبية، وطبق نظام مصرفي إسلامي فريد من نوعه أطلق عليه النظام المزدوج. وقد لقي هذا النظام تأييد وقبول جميع الماليزيين على اختلاف أديانهم وأعراقهم، واتخذت ترتيبات ثنائية مع 26 دولة نامية لتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية لتمويل التجارة، وقد نتج عن ذلك نمو في حجم التجارة الماليزية مع البلدان النامية بنسبة 400%. 

وكان حجم التجارة الماليزية عام 1997 يساوي 157 مليار دولار، وكانت ماليزيا واحدة من أعلى 18 دولة في العالم في حجم التجارة الخارجية، وكان متوقعا لماليزيا أن تكون من الدول المتقدمة بحلول عام 2020، وعندما وقعت الأزمة الاقتصادية انخفضت قيمة العملة الوطنية الريجنت بنسبة 50% ولكن ماليزيا لم تلجأ إلى صندوق النقد الدولي. 

بدأت الأزمة في تايلند عندما انهارت العملة المحلية، ووجدت هذه الدولة نفسها في أزمة مالية واقتصادية تقترب أو وصلت بالفعل إلى الانهيار، وقد استهدف المضاربون العملة الوطنية الماليزية، وحاولوا التلاعب بأسعارها ببيع كميات كبيرة منها وسحب رؤوس الأموال الأجنبية مما خفض قيمة القواعد الرأسمالية والأصول السوقية إلى ثلث قيمتها الأصلية فأصبحت الشركات مهددة بالإفلاس ومعرضة للبيع بأسعار زهيدة. 

وقررت الحكومة الماليزية تطبيق صيغة للتحكم والسيطرة بالتبادل الانتقائي، فأوقفت سوق تداول العملة الوطنية في الخارج، ومنع المضاربون بالعملات من النفاذ إلى الصناديق التي يتوافر فيها الريجنت. وقد سمح هذا الإجراء للمستثمرين غير المقيمين في ماليزيا بالاستمرار في الاستثمار بكل حرية دون أن يمكنهم من بيع مدخراتهم للآخرين، واضطر المضاربون لوقف عملياتهم التخريبية عندما وجدوا أنفسهم غير قادرين على شراء الريجنت أو اقتراضه، وثبت سعر صرف الريجنت، وفرض نظام يقضي بمنع إعادة تصدير السندات والأوراق المالية إلى بلدان المنشأ لمدة 12 شهرا إلى حين استقرت الأسواق بعد ستة أشهر. 

وأنشئ مجلس وطني للنشاط الاقتصادي وكانت لجنته التنفيذية تجتمع يوميا على مدى فترة الأزمة. واهتمت هذه اللجنة اهتماما خاصا بعمليات إدارة الأصول وإعادة الرسملة والهيكلة. 

وكان من أهم الدروس المستخلصة من هذه التجربة هو الحاجة لإدراك واستيعاب الأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى الانكماش الاقتصادي والكيفية التي تعمل بها العلاقات المتداخلة للقطاعات الاقتصادية المختلفة. 

لم تكن الأزمة المالية التي ضربت منطقة شرق وجنوب شرق آسيا حتمية وكان يمكن تجنبها لو أن النظام المالي الدولي كان يهدف بالفعل إلى تسهيل انسياب التجارة والتفاعل الاقتصادي بين الأمم، ولكن القوة الرأسمالية المهيمنة كانت ومازالت ترغب في الاستئثار بكل شيء وفرض أجندتها السياسية التي تجعل النظام الدولي يشجع على الاتجار بالعملات، وهو نشاط غير ضروري على الإطلاق ويدمر ثروات أكبر مما يحققه المضاربون من أرباح. 

* الإسلام والتصنيع 

هل يمكن أن يكون هناك صناعة إسلامية؟ أو على الأقل صناعة تستند في إطارها العام إلى قواعد ومفاهيم إسلامية؟ وهل نستطيع أن نخضع الصناعات المتعددة المعروفة لدينا إلى عملية أسلمة؟. 

هذه أسئلة افتتح بها محاضر مؤتمر الإسلام والتصنيع الذي عقد في كوالالمبور، ويلاحظ كيف أن الصناعة وجهت لإنتاج أسلحة الدمار التي كان المسلمون أكثر من يتعرض لها في الوقت الذي لا يملكون الأسباب والقوة الكافية لرد العدوان. 

وعندما كانت تركيا قوة عظمى على المستوى العالمي استطاعت التوسع وبسط سيطرتها على أجزاء من أوروبا الشرقية غير أنها لم تحدث قوتها العسكرية ووجدت نفسها بعد فترة من الزمن متخلفة عن الغرب ولا حول لها ولا قوة أمام آلاتها العسكرية الجديدة، وذلك بسبب شغل المسلمين بقضايا تافهة وهامشية دون الالتفات إلى النهضة والمواجهة الحقيقية مع متطلبات الحياة والعمل والتنافس مع الأمم الأخرى. 

إن المستثمرين المسلمين الذين يقتحمون اليوم ميدان التصنيع في مجالاته الشاملة من غذاء وخدمات وتقنية متطورة وما يلبي احتياجات المجتمعات، أكثر قدرة على إدراك ارتباط الدين بالصناعة. وإذا تحقق للأمة هذا الوعي بأهمية الصناعة وارتباطها بدوافع دينية، فإن ذلك سيسهم في ترويج الصناعات الإسلامية بين أقطار المسلمين ويدفع مجتمعاتهم لاكتساب المعرفة ويهيئ الأرضية الملائمة لغرس مفاهيم سامية عن الصناعة ويجعل الدول الإسلامية أكثر تطورا ونشاطا وتقدما ونجاحا ويفرض احترام المسلمين على العالم. وقد حان الوقت ليعمل المسلمون على بلورة مفهوم إسلامي صحيح إزاء قضايا التصنيع ينسجم مع جوهر الإسلام، فذلك من شأنه أن يوظف الطاقات والإمكانات لإدارة مختلف أنواع الصناعات على نحو فاعل يصب في مصلحة المسلمين والدين الإسلامي.